السيد كمال الحيدري

323

أصول التفسير والتأويل

هذا النوع من العلوّ والسفل هو الذي يُطلق على الإنزال فيه الإنزال على نحو التجافي ، بحيث إذا كان الشئ في مكان لا يكون في مكان آخر . [ النزول على نحو التجلي ] وثمّ ضرب آخر من الإنزال والتنزيل يطلق عليه القرآن الكريم « التجلّى » كما في قوله سبحانه : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ( الأعراف : 143 ) . وأبرز خصوصيّة في هذا الضرب من التنزيل أنّ الشئ إذا تنزّل لا يفقد وجوده في العلوّ ولا يفقد مرتبته الحضورية فيه ، بعكس التنزّل على نحو التجافي حيث يفقد الشئ مرتبته العالية ، بحيث إذا صار سفلًا فهو ليس عالياً وإذا صار فوقاً فهو ليس تحتاً وهكذا . يمكن تقريب هذا الضرب من الإنزال بمثال من النشاط العلمي للإنسان ، فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تنزّلت من مرتبة العقل وصارت في مرتبة الورق ، وبعبارة أُخرى تنزّلت من الوجود الذهني إلى الوجود الكتبي . ومن الواضح أنّ الوجود الأوّل مرتبة من الوجود والثاني مرتبة أُخرى منه . لكنّ الفكرة عندما نزلت من الذهن على الورق لم يفقد الإنسان علمه بها ، بل هي ما تزال تحافظ على وجودها في الذهن ، غاية ما هناك أنّها ظهرت في مرتبة أُخرى من مراتب الوجود دون أن تفقد مرتبتها السابقة . طبيعي أنّ للفكرة في مرتبتها الوجودية الجديدة أحكامها الخاصّة بها ، فإنّ الفكرة وهى في الذهن موجودٌ مجرّد غير قابل للنقل والسرقة مثلًا ، لكنّها وهى على الورق تنطبق عليها أحكام المادّة ، فهي قابلة للانتقال والسرقة وما إلى ذلك . فالفكرة هي هي ، وهى غيرها . هي هي لأنّ المضمون واحد ، فما هو موجود في الذهن وما هو على الورق شىءٌ واحد ، بيدَ أنّهما يختلفان في المرتبة الوجودية ، فللفكرة في الذهن درجةٌ وجوديّة مجرّدة